ابن بسام

311

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

النّقاب ، داهية الغبر [ 1 ] ، وعلم البشر ، فما أبعد ما بين العلوّ والخفض ، والسماء والأرض ، وأين النور من الظلمة ، والإفصاح من العجمة ، ورقة الطبع من جفائه ، وكدر الجوّ من صفائه ، وكيف مجاراة الكودن للعتيق ، ومقارنة التشبيه بالتحقيق ؟ ! وكيف نجاريهم ، وإنما نحكيهم ، وهل نحن - أهل هذه الجزيرة النائية عن خيار الأمم ، المجاورة لجماهير العجم - إلّا أجدر البرية باللكن ، وأولاها بعدم الفطن ، وأخلقها بالخرس ، وأحقّها بغلط الحسّ ؟ ! فلم يقرع سمع ابن من أبناء خاصّتنا [ 2 ] عند ميلاده ، ولا خامر طبع الرضيع منهم في مهده [ 3 ] ، إلّا كلام أمة وكعاء ، أعجمية خرقاء ، ولا / ارتضع إلّا ثديها ، ولا اكتسب إلّا عيّها ، ولا سكن [ 112 ب ] إلّا في حجرها ، ولا مرن إلّا بتدبيرها ، حي إذا صار في عديد الرجال ، وانتهى إلى حدود الكمال ، باشر طوائف النصرانية فخاطبهم بألسنتهم ، وجدّ في حفظ لغتهم ، وعانى طباقهم [ 4 ] ، وكابد أخلاقهم ، أفليس الذكاء مع هذا أبعد من ذكاء عنه [ 5 ] ؟ وأما العامّة منا [ 6 ] فقد انقطع فيها المقال ، وصحّت المخيلة والخال [ 7 ] ، فلما قرّعتها [ 8 ] هذا التقريع ، وروعتها هذا الترويع ، عادت إلى الخمود ، بعد الوقود ، وآلت إلى الفتور والخمول ، وعاذت بالنكوس [ 9 ] والنزول ، قد انفلّ حدّها ، وآل سكونا تحريكها وجدّها ؛ ثم لم أستبدّ أن أجري في ميدان الرأي جواد نظري ، وأرسل في أرض الاختبار رائد فكري ، وأرفع عن النفس غطاء التّرك ، وأخلص الصواب عن الإبريز من السّبك ، ورأيت ما في التوقّف عن مطالعتك ، من الإخلال بمكارمتك ، فرشح جبيني عرقا ، وانزعج قلبي تحرّقا ، فراجعت مخاطبة النفس ، ممسكا من وحشتها بطرف من الأنس : إن أبا الفضل الفاضل سيدي - دامت حياته - ، قد

--> [ 1 ] من قول الحرمازي : داهية الدهر وصماء الغبر ؛ راجع : المعاني الكبير : 671 ، واللسان ( غبر ) ، وفصل المقال : 141 ؛ والغبر : الماء الذي قد غبر زمانا غير مورود ولا يقربه أحد من أجل تلك الصماء وهي الحية . [ 2 ] د ط س : سمع طفل منا . [ 3 ] د ط س : ولا خامر رضيعنا في مهده . [ 4 ] د ط س : وعامل طبقاتهم . [ 5 ] ط د س : فالذكاء مع هذا منه . . . الخ . [ 6 ] د ط س : وأما عامتنا بعد . [ 7 ] ب م د ط س : وصحت الحيلة والحال . [ 8 ] ب م : أقرعتها ؛ د ط : فزعتنا هذا التفزيع وروعتنا ؛ س : أفزعتها . . . التفزيع . [ 9 ] ب م : بالنكوص .